السيد محمد حسين الطهراني

296

نور ملكوت القرآن من أقسام أنوار الملكوت

وأمّا أنت يا أبا جهل بن هشام ؛ فوالله لا يأتي عليك غير كبير من الدهر حتى تضحك قليلًا وتبكي كثيراً . وأمّا أنتم يا معشر الملأ من قريش ؛ فوالله لا يأتي عليكم غير كبير من الدهر حتى تدخلوا فيما تنكرون ، وأنتم كارهون » . « 1 » والخلاصة ، فقد كانت قصّة سفر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى الطائف والأحداث التي ذكرناها ممّا تثير العجب . فهي ، أوّلًا . تبيّن أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يتعرّض في مكّة إلى الأذى بحيث إنّه لم يكن يأمن على نفسه ، وكان دمه غير ذي قيمة ، وإنّ قومه وعشيرته كانوا أكثر أذى له من سواهم ، حتى بلغ به الأمر إلى استنصار أهل ثقيف ليدفعوا عنه قومه وعشيرته . والدليل على المطلب طلبه مُجيراً يُجيره ، فقد كان في خطر جدّي وحتمي بغير مُجير . لذا نراه يستجير بالكافر ، ليمكنه في جواره أن يبلّغ رسالات الله . ولم يكن في مكّة مسلمٌ مُقتدر واحد يمكنه إجارته . ولو قال قائل . وما الأهمّيّة في ذلك لديه ؟ فليُقتل ! فإنّ جوابه . أنّ الواجب عليه هو إبلاغ رسالات الله إلى الناس . فإن قُتل أو عرّض نفسه للقتل أو تسامح أدنى مسامحة في حفظ حياته ، لما تمكّن من إنجاز ما عُهد إليه ، ولعاتبه الله على ذلك . إنّ الأمر المهمّ كان تنفيذ المهمّة على أحسن وجهٍ وأكمله . النبيّ يبلّغ دعوته في الطائف بقاطعيّة وحزم مع كونه وحيداً فريداً وثانياً . كيف سار هذا النبيّ الرحيم الرؤوف العطوف ، وهو في سنّ الخمسين ، « 2 » على قدميه من مكّة إلى الطائف ؟ وكيف طوى ذلك الطريق

--> ( 1 ) - « تاريخ الأمم والملوك » ج 2 ، ص 79 إلى 83 ، طبعة مطبعة الاستقامة ، القاهرة . ( 2 ) - لأنّ النبيّ بُعث في سنّ الأربعين ، وكان سفره إلى الطائف بعد ارتحال أبي طالب ، وكانت وفاة أبي طالب في السنة العاشرة من البعثة ، لذا فإنّ العمر المبارك لرسول الله عند سفره إلى الطائف كان خمسين سنة .